محمد بن وليد الطرطوشي
250
سراج الملوك
ومن أنبل بيت قالته العرب ، قول بعضهم : فصح بالخير خرس بالخنى * رجع الأحلام ذيّال الأزر « 1 » وقال غيره : بأحلام عاد لا يحاف جليسهم * إذا نطق العوراء عرب لسان « 2 » إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم * وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان وقال المسيح عليه السلام : ما حلم من لم يصبر عند الجهل ؟ ! وما قوّة من لم يردّ الغضب ؟ وما عبادة من لم يتواضع للرب تعالى ؟ . وقيل للإسكندر : إنّ فلانا وفلانا ينتقصانك ويثلبانك « 3 » فلو عاقبتهما . فقال : هما بعد العقوبة أعذر في ثلبي وتنقيصي . ويروى : أن جرير بن عبد الله « 4 » بينما هو راكب قد أردف ابنه ، إذ لقيه رجل فنال منه ، وجرير ساكت ، فلما ولّى قال له ابنه : يا أبت لم سكت عنه ؟ . قال : يا بني أفأوسّع جرحي ؟ وقال بعض الحكماء : متى أشفي غيظي ؟ أحين أقدر فيقال لو عفوت ؟ أم حين أعجل فيقال لو صبرت ؟ وسئل بعض أصحاب الأحنف : أكان الأحنف يغضب ؟ فقال : نعم ، لو لم يغضب ما بان حلمه ، كان يغضبه الشيء ، يبين في وجهه اليومين والثلاثة ، وهو يصبر ويحلم ، ومن لم يغضب من الأشياء التي مثلها يغضب ، فقد فقد من الفضائل الشجاعة والأنفة والحميّة والدفاع ، والأخذ بالثأر ، والغيرة ، لأن هذه الخصال نتائج الغضب ، ومن فقد الغضب فقد فقد أسّ الفضائل - على ما سنذكر في باب الشّجاعة ، إن شاء الله تعالى - وعند فقد الشّجاعة تكون المهانة ، ومن المهانة يكون سفاف الأخلاق ، ورذالة الطّباع ، فلا يبقى لسائر فضائله موقع .
--> ( 1 ) يتكلمون بالخير ويخرسون عن الفاحش من القول عقولهم راجحة ويشد بهما الأزر . ( 2 ) بأحلام عاد : ضخام الأجسام كما فهم من قوم عاد . ، لا يحاف : لا يظلم وفي ( خ ) لا يحاف جليهم . العوراء : المعاني الغامضة . ، عرب لسان : أي اللسان العربي الفصيح . ( 3 ) يثلبانك : يعيبانك . ( 4 ) جرير بن عبد الله البجلي أبو عمرو : صحابي مشهور روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعمر ومعاوية وعنه روى أولاده الكثير من الأحاديث ، مات سنة 51 ه . ( مشاهير الأمصار 1 / 44 ) .